في البدء كان الله و كانت وهران كسناء حسناء محافظة وساحرة وكانتا تستمدان سحرهما من البحر وكانت أمي على النقيض امرأة متسلطة، متمسّكة بمواقفها، وفيّة لقراراتها واليوم وأنا واقف عند المفترق وقفت على هول الكارثة...
فجأة لست أدري ما أصابني،شعرت بالضعف وأني منهك إلى العمق وبدت لي وهران من غير سناء خلف ستار من الدخان تافهة وحزينة . وهران فتحت ذراعيها للوافدين إليها ، زرعت فيهم بذور الحياة والمحبّة، حمّلوها خطاياهم وأعلنوا عليها العصيان.
وهران بحرك لم يعد يلهمني وسناء أمواج تخيفني،الدنيا لم يعد لها طعم ولم أعد أصدّق أحدا.
استلقيت على سريري والمشهد الأخير لطيور مهاجرة تعبر خط قرينيتش نحو الشرق لم يفارقني .خبأت عيناي تحت الوسادة،ركبت خيالا بأجنحة متكسّرة،أضفت حلقة لحلم رجل انتحر على صدر امرأة اتّخذ ت منه بطلا واتخذ منها موطنا ،غادرت المدينة على عجل.
ثمّة شيء خارق بداخلي يخنقني ويدفعني أن أصدّق أحد المجاذيب التقيته صدفة على الرصيف انفجر ضاحكا في وجهي وقال:
-غريب أنت والغرابة تكمن في انحصارك بين اللهب والنار.هذا قدرك،لا تنتظر أن يخلّصك منه أحد، لهب تحمله بداخلك إلى أن تنال مرتبة الشهداء ونار..،توقّف فجأة عن الكلام وهو يبتعد أردف قائلا:
-ولم يبق لك سوى الدّعاء.
اختفى عن نظري وكأن الأرض ابتلعته، ما أعلمه اليوم أن نبوءته بدأت تتحقق.
أيا سواد عينيها الواسعتين ورقصة شعرها الغجري مع الريح، هي امرأة من نور..هي وطن وجرح نازف تثيره الخطابات الرّسمية.أذكر جيّدا يوم قابلتني على الكورنيش كانت تخبئ في عينيها الحالمتين شيئا من الحنين وكثير من العطف والحسرة.من يومها تكسّرت أمواج الشاطئ بداخلنا وعلى صخرة الصمت انفجرنا.تعرّينا في لحظة انشطا ر وأفقنا على هول الفاجعة . بكينا وفي لحظة وداع بحت لها بما كنت أحتفظ به لنفسي ونامت على كتفي وهذا ما لا كنت أتوقعه... .
ودعتني وهمّت بنزول السّلم، تعلّقت عيني بمؤخرة قدميها حتى خيّل إلي وكأنها غريق يجرفه التيّار إلى العمق، حين وصلت إلى الأسفل استدارت، ابتسمت ابتسامة ذابلة، لوّحت بيدها للمرّة الأخيرة قبل أن تختفي في زحمة الشارع.ثمّة عشر درجات تفصل بيني وبينها مفروشة برداء أحمر،كان بإمكاني اجتيازها بخطوة عملاقة وأكون بجانبها لعلني أتمكن من إقناعها بالتريث والعدول عن قرارها المجنون. شعرت بالعجز وبخطورة الموقف . تسمّرت بمكاني ولم أفعل شيئا...تلاشى وجهها في الضباب وظهر أمامي وجه امرأة غابت ملامحة .تذكرت وجه أمّي وتبادر إلى ذهني أخطر قرار اتّخذته في حقّي.
قالت يومها بصوت لا جدالا فيه: إني قرّرت، قراراتي غير قابلة للنقاش، هذا موقفي وأنا متمسّكة به.
إيه يا أمّي... الاختلاف رحمة والرحمة شجرة يقين ضاربة عروقها في الأرض مهما تعرضت أغصانها للعواصف لن تعبث بها الريح...
وفي لمحة بصر داهمني الحزن ورحت مندفعا للشارع أبحث عن سناء و كلماتها الأخيرة لم تفارقني . قالت وهي تودعني: إن بحثت عني ، تجدني قناعة مرسومة على محيا البسطاء ، ميزة يفتقدها الخطباء ، آه لو يستدركها الفرقاء...
غريب هكذا أحسست في مدينة أنجبتني وتخلّت عني في لحظات ضعفي معلوم أن تأخذ أشكالا وألوانا في عيون الغرباء هكذا خطبت نفسي وسمعت صوتا عاصفا كالريح بداخلي يردد:
ارحلي من مدينة الخرافات مع حلمي المستحيل، اعبري المسافات كالضوء وكالملائكة، أني جرّدتك من خطاياك، حرّريني من قيود الأسئلة.
نظرت إلى السماء، الحرارة لم تعد تطاق وتموز على الأبواب يبشر بصيف ساخن. خاطبت الفراغ الذي يسكنني وقلت تموز يا خالق الجحيم والدموع الساقطة. يا خاطف مني غصن الزيتون الممدود وسنابل القمح الراقصة. لا تعذبني.لا تكذبني ، هذا عطرها البربري يسافر إلى مدينة النور والجسور العالقة،دعها تفرح ودعني أحرث البحر وازرع الأماني ، إن دقت أجراسي فعصا موسى خلاصي...
عبرت نفق التحرير دون أن أعلم إلى أين ستقودني خطاي إلى أن وجدت نفسي بين القبور لعلني جئت أبحث عن الهدوء والسكينة.انحنيت عند قبر مجهول المعالم ،اغرورقت عيني بالدموع لم أعلم كم مكثت هناك من الوقت سوى أن الشمس مالت نحو الغروب مودعة.
منهك القوى كان لا بد لي أن امتطي سيارة أجرة أثناء عودتي سألني السائق عن وجهتي قلت :
خارج المدينة عند المفترق..واحتفظت لنفسي أن يكون لي منه المنطلق وسؤال وحيد يشغلني إلي متى أظل أبحث عنها وطيفها يتبعني كظلي؟
أغمضت عيني ورحت أردد مع الصوت المنبعث من مذياع السيارة : (( لو حكينا نبتدي منين الحكاية؟ )) .
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
وتغوص قدماي
في مستنقع الذكريات
يعتريني الحزن البليغ
وعند كل المحطات
أقف على الهامش السحيق
أرتدي بدلتي السوداء
وابحث عن رفيق
لن يأتي في الميعاد.
أشرب حسرتي قهوة اغتراب
وانتظر الذي لن يأتي
يسقط المطر
على الرصيف
أنهض
أفرغ جيبي للرياح
وأنفجر بالبكاء.
وحيدا على الدرب أسير
لأفكاري سأظل أسير
كنت هنا...وكان هنا
كان رفيقي يملأ الدنيا صخبا
وكأنه فراشة فوق مرج أخضر
تطير
كان رفيقي
يمسك الشمس من جدائلها
يحلم بالغد
ونهر الحب الكبير
عودني ...ضاحكا
وفي ابتسامته
يستمر الكون في مشيته
فأكذب نظرية الزوال
كان رفيقي...
كان هنا
يزرع الورد حافيا
وفي مقلتيه
لا مكانا للفصول
ما عادا الربيع
علمني فاتحا ذراعيه
كيف يموت الوحش
وكيف
ينتصر الانسان.
يهمس في أذني..
يقسم لي..
أنها أغلى ما لديه
انها قمر..
وانها ضياء.
كان هنا...
على الرصيف واقفا
يعد النجوم
وكانت هناك...
نجمة مشعة بداخله
يتبع خطاها
تقوده للسديم
تلاشت..
بعدها غاب
وسكن السحاب
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
ما أعلمه قبل رحيلي أني تنبأت بالطوفان ولم يصدقني أحدا، كانوا يهزؤون مني ومن أقوالي. لقبوني تارة بالمجنون وتارة بالمنسي لكني في الأصل كنت رجلا هادئ الطباع،. محبا للجنس البشري تؤرقني مآسيه.
قبل أن أبلغ الحلم كنت كثير التأمل للأشياء حتى أدركت لغتها وتباينت لي تصرفات أهل كفرنا الحمقاء التي توقّف عند حدودها الاجتهاد يوم ما وصفوني بالمجنون. حاربت البدع وأحرقت بذورها في نار اليقين.أيوبي في صبري انتظرت حتى ينبت الفرج من الملح ولم ينبت. وأنا في سن النبوءة لم يفارقني أمل أن يزهر الصبّار مع فجر آت بعد غروب طويل واسترد كرامتي واعتباري.
انتظرت ولم أيأس وبعد سنين من الانتظار والترقب وخلافا لكل التوقعات، فجأة تبلورت أمامي فكرة كانت في الأصل أمنية لازمتني منذ إدراكي للأشياء، ظلت معالمها غير واضحة، محفورة عميقا في نفسي.تبلورت لما أحسست أن الكفر لن يتغير، قررت الرحيل بعيدا لعلني أجد لي مكانا في مدينة لا تشبه المدن، سلبت عقول رحالة سبقوني إليها عبر العصور.مدينة لا تنام تجمع بين كل الأعراق تعايشت فيها كل الأديان تدعي مدينة النور ولدت الحكمة فيها ، أنجبت الفضيلة وفي أحضانها ترعرع الحب وتفجرت منه عيون المحبة، إنها المدينة الفاضلة...
أحرقت كتبي القديمة مع خيوط الفجر الأولى وخرجت متخفيا ترافقني خيبتي.عند منعطف درب الأمانة صادفت عمدة الحي في طريقه للمصلى حذرته من الطوفان وحملته أمانة التبليغ.متأكد انه يدرك سلامة عقلي وصحة أقوالي متأكدا أنه لن يفعل شيئا خشية أن أفتك منه الزعامة التي لم تكن تعنيني ما دمت في عيون أهل الكفر مجنونا ،على بعد خطوات مني التقى به رجل قال: مسكين تفاقم مرضه، عن أي طوفان يتحدث ونحن في بداية الصيف؟. لم يرد عليه وتثبت تهمتي.وأنا في طريقي المجهول،المحفوف بالأشواك تسلحت بعزيمة المصارعين وصبر الأنبياء.سلكت دروب وعرة مليئة بالمخاطر، اجتزت أنفاقا مظلمة واحتملت كل ما هو غير محتمل.بأنفاس متقطعة وإصرار قوي كلفني عقدا من عمري وقفت على مشارف مدينة النور ولم يبق لي إلا مسلك أخير مهترى ومتآكل كامتحان.عسيرة علي هي خطايا التي تحملني في هذه اللحظات الصعبة حيث الصقيع والريح والمطر والسيول الجارفة التي تأكل من تحت قدماي كل ما هو حي من زرع أخضر تمكن من النمو والإفلات من غياهب الأرض المظلمة ومن مخالب الديدان الجائعة التي ألفت أن تجعل منه لقمة صائغة بعيدا عن الأنظار.
دخلت المدينة وجدتها تسبح في ظلام دامس،على أطلالها تحطمت أحلامي.جبت أرجائها فلم تصادفني إلا آثار الحرب ومظاهر الدمار. لم أجد من يعطيني تفسيرا عما جرى. انهارت قواي من شدت التعب واستسلمت للنوم تحت زيتونة تعمر الساحة تجنبها الدمار.
نمت جيلا ولم أفق إلا على ضجيج ينبعث من بناية مهجورة، اقتربت من نافذة مفتوحة فقدت زجاجها فأدركت أنهم وجهاء المدينة في مجلسهم.رأيت رجلا طاعنا في السن تبدو عليه صفات الوقار يعتل منصة تنيرها شمعة، تآكلت أطرافها من كثرة الخطب، نسجت العناكب في سمائها مساكن لها. رأيته يخطب فيهم بأسلوب لا يختلف عن أسلوب أعيان كفرنا وبنبرة متقطعة أبلغهم عن خطورة الظرف وما آلت إليه المدينة بينما هم غير مباليين به منهمكين في ثرثارا تهم العقيمة والمحمومة حتى خيل إلي وكأهم في سوق للمعاملات. صعّد من لهجته بحثا عن الهدوء فلم يجده. ذكرهم بمركزه فلم ينفعه، انفضّ الجمع في فوضى عارمة، ضاع صوته ولا أحد يسمعه.تشكلت تكتلات حسب المصلحة، ومن خارج المجلس أنا المنسي أدركت أشياء كثيرة كانت تخفيها المدينة.ما جمعته الأحلام فرقته اليقظة،أفلاطونية أمثالي خرافة لن يصدقها إلا يشرمن أمثالي. من كنت أظنهم جنودا في خدمة العامة بمثالية ما هم سوى مرتزقة تجمعهم المصالح الخاصة تفرقهم الأنانية المفرطة.لا وجود لمدينة فاضلة إلا في عقول متحررة من قيود المادة إنها حقيقة ماثلة أمامي مجردة من ثوب المثالية تعرض مفاتن جسدها العاري في وقيعية فاضحة فمن يشتري؟
عدت لكفرنا قبل فوات الأوان لعلني أفعل شيئا، وجدتها مدينة كبيرة ابتلع الاسمنت بساتينها اليانعة.بحثت في وجوه العابرين عن وجه عاصرني فلم أجد واحدا. سألت غلاما يعرض على الرصيف سجائر أمريكية عن حي سيدي الشامي أين توجد رفات أبي و مسكني الذي ورثته عنه أبا عن جد.ابتسم في وجهي مصححا قائلا : (( يا عم يبدو أنك غريب عن المنطقة لعلك تقصد حي سيدي المنسي العتيق الذي يحمل اسم ذلك الرجل المشرقي الصالح الذي سكن البلدة قبل أن يضربها الطوفان.يقال أنه تنبأ بالطوفان ولم يصدقه أحد.اتهمه أهل الكفر وقتها بالجنون واعترافا بعبقرية الرجل فيما بعد وتكفيرا عن ذنوبهم أقاموا له هيكلا وشيدوا فوق أرضية بيته قبة أصبحت مزارا ومأوى للغرباء تقام فيها الولائم وفي موسمه تلقى الخطب كالتي تلقى في ذكرى وفاة زعماء القوم، أظن أن الرجل كان عظيما فعلا.
... لم أعلم أنهم بعد اختفائي سيشيدون لي هيكلا وقبة تتوافد عليها نساؤهم الحوامل قبل المخاض، آملين أن تنفرد إحداهن بالاستثناء وتنجب لهم قبل نهاية التاريخ قطبا ذكرا في مرتبة المنسي يخلصهم من لعنة الضمير..
وفي طريقي للمكان قلت لنفسي ما دام البسطاء يذكرون التاريخ فان حال الأمة بخير لكن عجبي ممن يزورونه ويضربون علينا حصا را، يوقعون شهادات وفاتنا ونحن أحياء .كيف بهم يبنون لنا قببا وهياكل يتاجرون فيها بأسمائنا ونحن أمواتا !! ؟
سأحطم الهيكل وعلى أنقاضه أبني مدرسة لأجيال تذكر تاريخ الأمة بالخير وتتطلع بواقعية لتاريخ أمة بديل. سأخاطب وجهاء حينا الجدد وأقول لهم المنسي حي يرزق في أفكار العقول النيرة. كفى تبذيرا، كفى خداعا، حتى وان اتهموني ثانية بالجنون لن يصدقهم أحدا سينصفني التاريخ ومعه من يتخرجون من مدرستي. من هنا، من فوق أنقاض الهيكل تبنى صروح المجد وتبدأ معركة بناء الأمة المثالية بعقول مثالية.
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
يحدث أن أستيقظ على أزيز الخاطفات يعوي خلف نوافذي في منتصف الليالي..
أفتح نافذتك على ما مر وما تبقى من العمر،يقابلني عند المنحدر جنونك وانكساري
.يأسرني الحنين لطفولتك الهاربة وخريطتك وجع يتسع كل يوم أمامي.أقرأ في عينيك
تعاستي وخيانة من جردونا من صفة الأبطال.
أبكيك بحرقة ودموع الحسرة أهون من أن أراك جوعا وعرى في عيون الأطفال.
يحدث أن تحدثك الأساطير عني يوما لم ينتابني الشك ويسكنني خوف الانتظار
ولم عند كل حاجز أخبئ أوراق ثبوتيتي واتوقع المجزرة...
يحدث أن أتوقف عن التفكير للتكفير عن ذنب ما كنت اقترفته وانسى جنونك
وانسى همومي واصرخ في وجه الكون كم أحبك يا وطني!!؟؟
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
...التي كانت
التي كانت ربيعي في ربعي الخالي وصحرائي القاحلة التي اهديت لها ثلثا عمري
قربانا كتبتني بالنار حروف حافية على أوراق يابسة بعثرتها الريح العاتية.كتبتني بدموع المحبين وهما ابديا على ظهر حقيبة بكاء تحملني في أسفارها.كتبتني في الأوقات الحرجةللمواعيد الضائعة.لحنين الأمكنة كتبتني للخطايا بوحشية ليالي الشتاء الموحشة.كتبتني بثقل اللحظات المؤلمة،بلهفة الأشواق الساكنة فينا دهرا كتبتني بنسائم ورود حديقة بيتنا لنوارس الحداد التي سكنت صدرنا،بالدموع كتبتني نصا مبهما يرثي مجدنا لكني لم أكتب سطرا من قصة شوق حزينة تدعي أنها من تأليفنا
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
أصلي ووجهك وطن
وظلي أحاسيس شوق أغرقت المدن
أموت وأعود وسري طلاسم شجن
رحلت وتوارت خلف الأفق تخذت من جزر النسيان موطنا احتجزت الشمس رهينة وأغرقت الكون في الظلام
هو الليل يا امرأة يقود جيوش من الضجر وما الضحايا الا نحن معشر البشر،أنت يا أنت يا من أسافر اليك كل ليلة
حتى بعد موتي تولدين شظية في صمتي وكالنكبة تنامين بين صفحات التاريخ تستيقضين مع حلول الذكرى تأتين الي
في تموج وتوهج كطوفان يغرق البحر.
الآن أجلس وحيدا على حافة النهايات منكسا الريات ،أقرع أجراس النكسة معلنا عن شهيد جديد أيا وجعي منك
وأنت كالسراب عديمة الظل أستشهدك على أطلالي.
أنا الراهب في خلوتي وفي يدي زنابق بلوتي سأصلي صلاة الغائب على وطن قابل للانبعاث قتلتيه أنت
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
شباط جئت من غير المعتاد ببرودة غير مألوفة لكنك لم تثن من عزيمة مرزوق البلاندي ، ها هو اليوم يقف وحيدا بساحة الثورة يسند ظهره المقوس لتمثال الحرية المجنح وراح يمعن النظر في ملامح الأسدين الأونيكسيين الجاثمين أمام عمادة المدينة.تساءل في قرارة نفسه كيف بالناس تصدق ما تروجن له أبواق الفتنة على مسمعهم منذ عقود؟كيف بهم يصدقون تلك الحماقات. أيعقل أن المدينة مدانة بكل شيء لهذين المنتصبين أمامه.؟كيف للمدينة أن تكتسب عظمتها من هذين الهيكلين الرخاميين؟ كيف بها تتحول بهذه السرعة المذهلة ولم يتحركا؟لا الزمن غير من ملامحيهما ولا عوامل التعرية نالت من عزيمتهما.المدينة جنت، سكانها ثاروا وأثناء ثورتهم هلك منهم الكثير.منهم من استشهد ومنهم من قتل.منهم من انتحر ومنهم من مات جوعا ومنهم من تقتله التخمة في زمن الجوع. أكيد من صدقوا تلك الخرافة خرفانا أبهرتهم حفاوة الاستقبال ليلة عيد.كان مرزوق يدرك خلافا لعامة الناس أن الفضل كله يعود للمدينة وحدها وللقلة القليلة التي لم تنحني للرياح والتي تمكنت من تجنب عدوى الطاعون.
وبينما هو على حاله إذ تنتشله من غفوته موسيقى صاخبة تصم الأذان تنبعث من سيارة فاخرة تمر بمقربته لم يستطع استيعاب من كلماتها البذيئة إلا كلمة ما ما عليش .هز رأسه بحسرة فوقعت عبناه على بناية تآكلت جدرانها وعشش بها الحمام تذكر رائعة الأجواد وسخونة الفصل الأخير وتلك الجماهير المتزاحمة أمام الشبابيك المقفلة.أمعن النظر ثانية للمكان فلم يظهر له إلا طيف امرأة لم يتعدى سنها العقدين اتخذت من المدخل الرئيسي للبناية مأوى لها ليس لها من الأمتعة إلا بعض اللوازم القذرة وفي حضنها رضيع لعل قساوة شباط نالت منه أو أراد حليبا لم يعد ثدي تلك البائسة يوفره له.توقف مرزوق البلاندي عن التفكير وامتلكه شيء من الرعب. ..
راح يعد الخطوات يمينا وشمالا،.من حين إلى أخر يترقب ساعته في قلق متزايد ، يحملق في وجوه العابرين ممن تلفظهم الحافلات عند المنتهى حتى خيل إليهم أنه مجنون أو مدمن حان وقت حقنته.أشعل سيجارة ولم تأت ثم أخرى ولم تأت.أمضى نصف ساعة وكأنه أمضى نصف عمره ولم تأت.. في اللحظة التي قرر فيها مغادرة المكان رآها من خلف الزجاج تتأهب للنزول وفي يدها جريدة كادت أن تتمزق.كانت ترتدي معطفا أسودا وكأنها في حداد، معطفا أسودا كعينيها الواسعتين و قبل أن تطأ رجليها الأسفلت مدت له يدها مصافحة فأحس ببرودة الأموات تخترق جسده المتداعي ، تتسلل لدمه وتستقر بين أحشائه الملتهبة. أحس بيدها ترتعش ومعها جسدها الرشيق الذي لم يرتعش يوما،أدرك أن هناك شيء ما يؤرقها.نظر إليها باستغراب وحزن عميق لم يجد لهما تفسيرا. أمعن النظر ثانية إلى عينيها الواسعتين، رأى في سواديهما وجهه ، تراءت له أولى تجاعيد جبهته فامتلكه شيء من الرعب كذاك الذي يخيم على المدينة...
مر العمر ولم يشعر به.لم يواجه نفسه منذ أن كسر مرآة الخزانة ليلة زفاف سمراء وحاول أن ينتحر.تزوجت سمراء وكره جميع النساء ومن يومها طوى كل صفحات الماضي الأليم . ها هو قد تغير .انه يدرك هذا منذ أن وقف على شغفه وهيامه الضارب في عمق أحلامه للواقفة أمامه.
للوهلة الأولى ضنت أنه يعلم الخبر، فتحت الجريدة وقالت : إنها الكارثة. رد عليها مستفسرا عن أي كارثة تتحدثين؟ قالت : صابر انتحر وأجهشت بالبكاء.. وهو يهدأ روعها قال : عاش تعيسا ومات تعيسا. انتحر صابر لكن تبقى صرخته الأخيرة مدوية تزعج ليل المدينة لعل ذبذباتها توقض الأسدين من سباتهما العميق وتجنب المدينة الجنون.
نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت حتى أنت يا مرزوق تتحدث عن الجنون كصابر،أخشى عليك من الجنون والانتحار.قاطعها بهدوء وقال ما دمت تخشين علي لن يصبني أي مكروه يكفي أن تطالعنا الجرائد يوميا بأخبار ممن لا يجدون من يخشى عليهم وهذا شيء رهيب.
وضع يده بكل رفق على كتفها وقال هيا بنا إلى مكتب العمدة لعلنا هذه المرة نحضى بالاستقبال ويستمع إلينا.
عند باحة العمادة تفاجئوا بحشد كبير من الناس غص بهم المكان جاءوا كلهم لمقابلة المسؤول الأول عن المدينة وبعد انتظار طويل أعلن الحاجب أن العمدة في اجتماع مهم لا يمكنه مقابلتهم .تعالت الأصوات المستنكرة وارتسمت خيبة الأمل والانكسار على الوجوه الشاحبة.التفت مرزوق إلى الحاجب لعله يلفت انتباهه بأنه لم يأتي للمرة الأولى وحاجته تختلف عن حاجات الآخرين .قال بنبرة متفائلة أحيانا نقف حائرين من أمرنا ،عاجزين عن الكلام نقبر كلماتنا في صدورنا .تتفاعل ،تتصادم،تتطاحن،تغفوا لكنها لا تموت .قد تنوب قسماتنا عن شفاهنا وتكون مرآة عاكسة لما بدواخلنا لكن تبقى الكلمة هي الكلمة وحدها باستطاعتها تغيير الأشياء من حولنا. قد تكون الكلمة صرخة والصرخة كلمة حية تنبعث من جسد منهك حتى الموت.
كانت لتلك الكلمات البسيطة أثرها البليغ في نفوس الجماهير المستاءة وكانت الشرارة الأولى التي أشعلت نار الغضب ،حمل مرزوق على الأكتاف رغما عنه فوجد نفسه بالصدفة على ناصية المواجهة لأحداث لم تكن في الحسبان وفي غمرة الأحداث المتسارعة اخترقت جبينه رصاصة طائشة وقبل أن يغمى عليه تجول ببصره عبر الساحة صادفه سقوط تمثالا الأسدين الرخاميين من قاعدتيهما وحين رفع رأسه بصعوبة تراءت له أسراب عصافير رمادية اللون تحجب الرؤية،اختفت الشمس وحل الظلام.
publié par rouan ali cherif publié dans : ATHAR-EL-ABIRINE اثر ا
مدخل
(( ليس كل الرجال خونة.. ولا الخيانة حتما امرأة.))
...............
أستيقظ غريب من نومه مفزوعا والعرق البارد يتصبب من جبينه كالمحموم الذي أصيب بنزلة برد ، تلازمه الرجفة وكأنه ورقة خريف في نهاية العمر تعبث بها الريح. ضغط على زر المصباح المتواجد على يمينه فعم النور الغرفة وانجلى الظلام ومعه الوحشة ، نظر إلى رفيقة لياليه الجليدية المعلقة على الجدار عقاربها تشير الى الثالثة صباحا ، لم يمر على غفوته الا الشيء القليل ، ساعة لا أكثر. التفت صوب قرينته نجاة ّ، رآها غارقة في نوم عميق منذ ساعات. ابتلع ريقه وتمتم ّ اللهم اجعله خيرا ّ ، نفث عن يسراه ثلاثا وتعوذ بالله من شر هذا الكابوس المزعج ومن شر الشيطان الرجيم .هرول نحوالمطبخ فاصطدمت رجلاه بدمية ملقاة على الأرض، صب نهرا من القهوة في فنجان يتسع لهمومه وأشعل سيجارة حرائقه وراح يتلذذ بها بعصبية ، هي الوحيدة التي تقاسمه همومه وسواد لياليه المظلمة ، تحترق معه ومن أجله ، تموت بين شفتيهثم تنبعث وستضل على حالها إلى أن ينبلج الصبح وتشرق الشمس.
جلس على الكرسي وراح يلملم شظايا حلمه المزعج ، قد رأى فيما يرى النائم صديقته ّمنارّ تغرق في البحر ومن بين الأمواج المتلاطمة ظهر طيفا يدعى ّايروسّ يصرخ بكل قواه طالبا النجدة ويردد :ّ النجدة..النجدة..أفروديت تغرق.. ّ وفي لمحة بصر هب غريب لتلبية النداء وفي محاولة منه لنجدتها كاد أن يغرق فاهتز جسده فأفاق من نومه فوجد نفسه في فراشه.انه جد قلق لأنه يعلم بأن رؤية المؤمن جزء من أربعين جزءا من النبوءة ، لذا بدا منزعجا ومتشائما من الأيام المقبلة وما تخفيه في طياتها من مجهول ، هذا المجهول الذي غالبا ما نسميه قدرا ولا نعترف به كنتيجة لأخطاء قد نقوم بارتكابها في حق أنفسنا أوفي حق الآخرين ، هذا المجهول الذي أحيانا مانكون نحن صانعيه ونسميه قدرا قد يكون الطريق المأساوي المؤدي للجحيم كان غريب أول من حدا عن الطريق السوي حين مشى وراء عواطفه واعتقد أن الهروب نحو الأمام يمكن أن يغير من لياليه الحالكات .كان يعتقد أن ّ منارّ رماها القدر قي طريقه كواحة يلتجئ اليها كلما اعترضته العواصف، راح يتقرب إليها حتى كسب مودتها ونشأت بينهما صداقة قوية صداقة بين رجل وامرأة كليهما يبحث عن حلقته المفقودة ، رجل يبحث عن امرأة يهرب إليها من الحقيقة لتنسيه هموم الدنيا ويجد ذاته فيها وامرأة تبحث عن رجل قد ترتمي في أحضانه حين يشعرها بالأمان وبقيمتها كامرأة . ظلت تحاصره ويحاصرها كما يحاصر المتوسط مدينتهما حتى استردا ثقتهما المفقودة وبهذا يكونا قد وضاعا الدعائم الأولي لمدينتهما الفاضلة التي كانا يحلما بها ولكل منهما نظرته الخاصة فيها دون أن يطلع الطرف الأخر عليها. ومرت الأيام في تسلسل مثير الا أن أحس غريب بقوة عجيبة تدفعه دفعا تحو منار لم يجد لها تفسيرا سوى أنها ساحرة كالبحر ، شقراء ذات عيون زيتية ، هادئة الطباع ، حزينة وجذابة ، تحب الورود ولحظات الغروب.
ذات يوم أهدت له قلما وقالت مازحة: (( أكون سعيدة لو تتقبل هديتي المتواضعة ...)) كانت هدية مسمومة ، رسالة مشفرة لن يفك طلاسمها الا المحبين. تقبلها بانقباض وراح يناجي نفسه في صمت: ((ألا تعلمين بأن الأقلام رسائل حساسة ودعوة إلى اتخاذ القرارات الحاسمة ؟ ، أحقا انك تدركين حديث الأشياء وتودين إشعاري بخطورة الموقف أم ماذا ... ! ! ؟من يومها أحس غريب بتصدع مدينتهما التي كانا يهربا إليها من الواقع . انقطعت منار عن مواعيدها المعتادة وضل المكان مزارا له لوحده إلى أن التقيا ذات يوم دون سابق انذار.
.. جاء إلى الشاطئ وجلس بالقرب منه ، وجاءت بعده وجلست قربه وظلا على حالهما إلى أن مزقت السكون.
قالت : انه يوم حار.
قال : انه شهر أغسطس .
قالت لنباتات تحب الماء.
قال : الماء نسغ الحياة.
وأحس برغبة ملحة لمتابعة الحوار وأردف يقول :
أنا أحب الورود لأنها مثلها مثل الانسان ، تحتاج للرعاية منذ أن تكون نبتة صغيرة..وعندما تمد جذورها في الأعماق..
قاطعته وقالت : العروق الخضراء.. مثل الأطفال ..انها مشاريع للمستقبل ، ألا تشاطرني الرأي ؟.
لحظتها تيقن غريب من مقصدها ، انه طموح كل امرأة ذكية وعاشقة تبحث عن شرعيتها دون أن تسقط في مخالب الرذيلة أو تنزلق نحو الخطيئة. لم يرد عليها بل راح يتذكر مشهد ابنته الوحيدة وهي تحتفل بعيد ميلادها السابع، أثناء تقطيعها التورتة قالت بشقاوة : ((القطعة الأولي لبابا أما الثانية فهي لماما.. )) ثم واصلت حديثها بتهكم الكبار : (( لا تغضبي يا ما ما إني أحبكم جميعا ستكون أول قطعة لك في عيد ميلادي الثامن فما عليك الا الانتظار.. وراحت تعانقهما وتقبلاهما في حنان حتى أحسا بأنهما أسعد زوج في الكون ونسيا خلافاتهما ، في هذه اللحظات نزل غريب من غيمته وحط على أسلاك الواقع كنورس أضناه التحليق فأوجد نفسه بين نارين وأحس بأن المجهول يحاصره واللحظة مواتية للتخلص منه للأبد ، وان أوجبت التضحية لا بد له أن يضحي...
ا ستنتج بأنه أحيانا تبدأ مأساة الانسان بكلمة طائشة أو قرار خاطئ في لحظة غضب ولا شعور ، تبدأ من لا شئ من تفاهات طرف ما حتى يحس الطرف الأخر بالإهانة فتبدأ الهوة تتسع شيئا فشيا وتتصاعد كالدخان إلى أن تحتل مكانها عاليا بين النجوم ويبقى الانسان عاجزا عن حصرها إلى أن يتعطل عقله عن التفكير ويستوي الخطأ بالصواب و من جملة الأخطاء حين لا يعترف الرجل بجنونه لقرينته ويعترف لأخرى بحبه الجنوني معتقدا أن السعادة امرأة جميلة أخرى يفتح بابها على النعيم دون أن يعلم بتصرفه هذا قد يفتح لنفسه بوابة الجحيم وما ّ منارّ ما هي الا مدخلا للنار، لو أجابها بصدق عما يشعر به تجاهها لتعقدت الأمور، ، عمل كل ما بوسعه لكي يبدو متماسكا ورد عليها قائلا :بحزن.
- لنبقى أصدقاء وباسم الاختلاف تستمر الحياة ،
بالمناسبة عائشة تبلغ لك السلام.
-
انك لم تجيب عن سؤ